الأربعاء، 22 يونيو 2016

المرأة والتناول: نقد النقد


مقدمة
اختتمت مؤخرًا قراءة كتاب «المرأة والتناول» للراهب يوئيل المقاري. الكتاب مِن إصدار دير القديس الأنبا مقار، وقد نُشرت الطبعة الأولى مِنه عام 2016م، ويقع في ثماني وثمانين صفحةً.

الكتاب رغم مناقشته قضية هامة إلا أنه على غير المتوقع أبعد ما يكون عن المنهج الأكاديميّ؛ فهو أقرب للمذكرات الدراسية أو التجميعات الطلابية عن كونه بحثًا أو كتابًا ! فهو عبارة عن تجميعٍ لآراء المعاصرين والغابرين.

إلا أنّ الخدمة الجليلة التي قدمها ذلك الكتاب هي تلك الحالة مِن النقاش والجدل التي وُجدت داخل المجتمع القبطي. فسرعان ما نشر أحد أعضاء رابطة تُعرف بـ «حماة الإيمان» ردًا على الكتاب يُدعى مينا أسعد كامل، وقد جاء رده ضعيف البيّنة، لا يخلو مِن اعتساف.

لذلك وجدنا أنه مِن الضرورةِ أن نكتب تعليقًا على ذاك الرد الذي نُشر عليه، وليس هدفنا مِن هذا التعليق الدفاع عن الراهب المذكور وعن كتابه بل مناقشة تلك القضية التي تُثار بين فينة وأخرى، على أن يتبع تعليقنا هذا بحثًا عن رؤيتنا اللاهوتية في تلك القضية.

تمهيد

نشر مينا أسعد كامل بحثًا يورد فيه الأخطاء التي اقترفها الراهب يوئيل المقاري في كتابه المومأ إليه، يقع بحثه في أربعة وأربعين صفحةً. وقد جاهد في بحثه ليثبت خطأ الراهب، لكن لسوء طالعه أننا اطلعنا على بحثه، وتبيّن لنا سقاطاته المتكررة؛ فعلى الرغم أن الكتاب بالأساس يناقش قضية هامة ألا وهي تناول المرأة الحائض إلا أن صاحب الرد قد خصص أربع صفحات كاملات للرد على عبارة عابرة للمطران جورج خضر عن وراثة الخطية الجدَّية ![1] بل ازداد تعجبنا حينما وضع مِن بين أخطاء المطران جورج خضر قوله أن دم المسيح ليس دمًا بيولوجيًا يختلط بدمنا ! فهل يؤمن مدرس اللاهوت الدفاعي بالتحول البيولوجيّ للخبز والخمر؟![2]

إلا أن النقد الرئيسي الذي لا بد أن يوجه لصاحب الرد هو تصويره للقارئ أن الرأي الجامع المانع للأباء الأولين هو عدم تناول المرأة الحائض، وهو أمرٌ غير صحيح، فقد كانت آراء الأباء منقسمة بين جائزٍ ومانعٍ لتناول المرأة الحائض؛ فالبابا أثناسيوس الرسولي والدسقولية أجازا تناول المرأة الحائض بينما في الجهة المقابلة نجد البابا ديونسيوس والبابا تيموثاوس الأول قد منعوا الأمر. فأي الرأيين نقبل وكلاهما أبائيان؟

إن ما كتبناه ليس الغرض مِنه الدفاع عن أحد أو الهجوم على أحد آخر، بل إن غرضنا هو تبيّان منهج هؤلاء الذين يدعون أنهم حماة الإيمان وشارحيه، ومنهجهم أبعد ما يكون عن روح الأكاديمية وأخلاقياتهم أبعد ما تكون عن روح المسيحية. فيحزننا ما نجده في مطاوي كلامهم مِن إتهامات يكيلونها بلا سند، وسبابٍ يطلقونه بلا خجل، فنجدهم يصفون كلام هذه بـ ”الهراء“ وأفكار هذا بـ ”الانحرافات العقائدية“. وعادة ما نستشف مِن وراء ألفاظهم نغمة سخرية وتهكم لا تليق بمَن يناقش أسرار الألوهة، ويدعي أنه يحاول أن يمحي الذنب بالتعليم، فأي تعليم في هذا المنهج وفي تلك الأخلاقيات !

ملحوظة: كل ما وضعناه ما بين معكوفتين [...] في الاقتباسات النصية هي اضافات مِنا للتوضيح وليست مِن متن النصوص المقتبسة. وقد اختصرنا لقب «القديس» إلى «ق.» فوجب التنويه. 

لتحميل البحث (اضغط هنا



[1] مينا أسعد كامل، أخطاء كتاب المرأة والتناول، ص ص 13 - 16
[2] راجع ما كتبناه تحت عنوان «متفرقات» ص ص 27 - 28  

الأحد، 29 مارس 2015

كشف البهتان في كتاب سليمان - الإصدار الثاني


مقدمة
منذ فترة بعيدة قرأت كتاب "أقباط مسلمون قبل محمد" لفاضل سليمان. والكتاب مِن نشر شركة النور للإنتاج الإعلامي والتوزيع، عام 2010م. وقد قدم للكتاب الدكتور محمد عمارة. وفور انتهائي مِن قراءته كتبْتُ تعليقًا سريعًا، نشرتُ إياه على مدونتي الإلكترونية، أوضحْتُ فيه الأخطاء المنهجيّة والتاريخيّة واللاهوتيّة التي سقط فيها الكاتب، لكن حينما أعدتُ قراءة هذا التعليق مؤخرًا وجدته يحتاج إلى مراجعة وتنقيح فكان هذا الإصدار الثاني.
الجديد في هذا الإصدار
أولى تلك الأمور الجديدة في هذا الإصدار الثاني هو التوصل لأصل الصورة التي أدعى سليمان أنها تصور إلقاء الأريوسيين للسباع لتلتهمهم، وقد كانت المفاجأة أنها رسم حائط يعود للقرن الرابع الميلاديّ يصور شمشون في صراعه مع الأسود. وكذلك قمتُ بتعديل الفصل الخاص بـ "وجود الأريوسيين فى حصن بابليون أثناء الفتح العربيّ" وذلك لتحصلي على كتاب الدكتور عمر صابر وكذلك أصل الترجمة الإنجليزية لتشارلز. كما قمتُ بتعديل الفصل المعنون بـ "رسائل النَّبِيّ" وذلك لتوصلي للعديد مِن الكتب والأبحاث التي ناقشت هذا الأمر. وكذلك عدلنا الفصل الخاص بـ "عقيدة أريوس في لاهوت المسيح" حيث أضفنا فقرة أفضنا في شرح عقيدة أريوس فيها.   
أما الإضافات، فقد أضفتُ فصلاً جديدًا في قسم "الأخطاء اللاهوتية" عنونته بـ "بولس لم يناد بلاهوت المسيح ولا بالتثليث"، ناقشتُ فيه إدعاء سليمان أن بولس الرسول لم يتحدث عن لاهوت الابن صراحةً.


لتحميل الدراسة (اضغط هنا)  

الثلاثاء، 6 يناير 2015

تجسد الابن الكلمة


لماذا تجسد الابن الكلمة؟ هناك جوابان طرحهما آباء الكنيسة، الجواب الأول مشروط بسقوط آدم، فلولا السقوط ما كان التجسد، ويبدو في ذلك الجواب أن التجسد رد فعل لا فعل. بينما الجواب الثاني غير مشروط، فحتى لو لم يسقط آدم لكان الابن قد تجسد. ففي التجسد اتّحد ابن الله وكلمته أقنوميًا بالطبيعة البشرية وهكذا تألّهت هذه الطبيعة، يقول القديس اثناسيوس الرسولي: "لقد أخذ لنفسه جسدًا بشريًا مخلوقًا لكي يُجدده بصفته هو خالقه، فيؤلهه في نفسه." (ضد الأريوسيين 70:2) وهذه هي غاية الخلق: اتحاد الله بالإنسان وما كان لهذا أن يتحقق بدون التجسد، فسقوط آدم لم يضف إلا آلام المسيح وصلبه، فالتجسد هو غاية الخلق، والصلب هو نتيجة السقوط.

الله خلق الإنسان مِن منطلق محبته الإلهية، جلبه مِن اللاوجود إلى الوجود كي يشترك الإنسان في الحياة الإلهية، مِن ثمَّ خلق الله الإنسان على صورته كي يحقق مثاله، فالصورة هي الإمكانية التي منحها الله للإنسان كي يصير الإنسان مثل الله بما يناسب طبيعته وهذا ما سيتحقق في حياة الدهر الآتي التي تعلمنا الكنيسة الأرثوذكسية أننا نحياه في الدهر الآني.

في تجسد الابن الكلمة، وكما تقول ثيئوطوكية يوم الجمعة: "هو أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له"، في هذه العبارة شرح لسر الاتحاد المتبادل بين طبيعة اللاهوت وطبيعتنا نحن بواسطة الروح القدس، الابن الكلمة أعطانا الذي له، فماذا نحن بفاعلون؟ أنشعر بالعظمة؟ لا، تجيب الكنيسة: "نسبحه ونمجده ونزيده علوًا".

ناسوت الابن الكلمة كان يحوي البشرية كلها، يقول القديس باسيليوس: "ولكنه اقتنى البشرية مغروسة فيه ومتحدة به. فقد جمع في نفسه البشرية كلها بواسطة جسده." (عظة عن الميلاد)، ولذلك فإن ما أُعطى لناسوت الابن أعطى للإنسانية جمعاء، يقول القديس اثناسيوس: "إن كل ما كُتب فيما يختص بناسوت مخلصنا ينبغي أن يعتبر لكل جنس البشرية"  

اليوم استجاب الإله لإغواء الإنسان، فاتحد به، صارا واحدًا، تأنس الإله، وتأله الإنسان، إنه سر الحب ...
صموئيل طلعت أيوب
6/1/2015

الجمعة، 3 أكتوبر 2014

ديدات والنقد النصي - كلاكيت ثالث مرة

نشرتُ مقالاً عن "ديدات والنقد النصي" في سبتمبر عام 2012م، وفي سبتمبر مِن ذات العام نشر أيمن تركي ما وصفه بردٍ على المقال. وبعد قراءتي لرده كتبتُ تعليقًا عليه عنونته بـ "ديدات والنقد النصي – تعليقًا على تعليق" في ديسمبر مِن ذات العام. وفي يناير عام 2013م نشر أيمن تركي ما وصفه تعليقًا على تعليقي. وبعد قراءتي لهذا التعليق كتبتُ تعليقًا على ما كتبه لكنني أجلتُ نشره إلى حين أن أنشر دراسة كنت أعدها حينها عن الدافع اللاهوتي في كتابات إيرمان، ولكنني توقفتُ عن استكمال تلك الدراسة، ونسيتُ ردي، ومنذ عدة أيام حدثني أحد الأصدقاء عما كان بيني وبين أيمن تركي مِن مناقشة بخصوص ديدات وحينما عدتُ للملف الخاص بالموضوع وجدتُ تلك الدراسة مؤرخة بمارس 2013م، ولكنني للآسف نسيتُ أن أنشرها للأسباب التي ذكرتها. وبالطبع ستجدون الأسلوب أقل مما أكتب به حاليًا، فالإنسان في حالة نمو دائم، لكنني قررت أن أنشرها لِمَ في الدراسة مِن معلومات مفيدة.  
لتحميل الدراسة (اضغط هنا(

الجمعة، 12 سبتمبر 2014

شكل الصليب

ينادي شهود يهوه بأن المسيح صُلب على عمود لا على صليب، وفي عام 2010م قدم صامويلسون رسالة الدكتوراة في جامعة جوتنبرج، وخلاصتها أن كلمة "صليب" لها العديد مِن الاستخدامات ليس مِن بينها الشكل التقليدي المعروف، فهي تُعني في الأساس التعليق لا الصلب. فما هو شكل صليب المسيح حقًا؟

في هذه الورقة الصغيرة سأحاول الإجابة عن هذا السؤال، بالأدلة التاريخبة والأثرية.


 لتحميل الورقة في صورة pdf  (اضغط هنا

السبت، 10 مايو 2014

معيار عدم التشابه وتاريخية يسوع

أول من قدم معيار عدم التشابه Criteria of Dissimilarity هو اللاهوتى اللوثرى إرنست كازمان Ernst Käsemann (1906-1998) لتحديد الأقوال الأصلية ليسوع (التطبيق السلبى للمعيار كما سنوضح فيما بعد). ومعيار عدم التشابه له شكلين: معيار التمييز عن اليهودية ‘criteria of distinction from Judaism’(CDJ )  ومعيار التمييز عن المسيحية ‘Criteria of distinction from Christianity‘(CDC) ويمكن استخدام الشكلين معاً ويُسمى حينها معيار عدم التشابه المزدوج  criteria of double dissimilarity (CDD)، وقد كان رودلف بولتمان من أوائل مستخدمى معيار عدم التشابه المزدوج (CDD).

ولهذا المعيار تطبيقان. أولهما التطبيق السلبى للمعيار، وقد تمثل ذلك فى تحديد المواد الأصلية ليسوع authentic materials،ف أقوال يسوع الأصلية هى تلك الأقوال التى لا تشابه الأخلاق والتقوى اليهودية المعاصرة له من جهة (CDJ) ولا التعاليم المسيحية التى تبنتها الكنيسة الأولى من جهة أخرى (CDC). والسبب وراء هذا الاستخدام السلبى للمعيار هو أنه لو كان القول المنسوب ليسوع لا يشابه التعاليم اليهودية السابقة له، سيكون حينها من الأرجح أنه قوله الذى لم يسبقه إليه أحد. وإن كانت الكنيسة الأولى لم تتبن هذا القول، فعندئذ سيكون من المؤكد أنها لم تخترعه ووتضعه على لسان يسوع. وبالتالى فالقول الحقيقى الصحيح النسب ليسوع هو القول الذى يخالف اليهودية والمسيحية !!

المشكلة الرئيسية التى تنتج عن هذا التطبيق السلبى للمعيار، هو أن يسوع حينها سيكون شخصًا غريبًا، لم يتأثر بسابقيه ولم يؤثر فى تابعيه !! يقول داريل بوك: "لو بُرهن على كلا جانبى عدم التشابه [يقصد الاختلاف مع اليهودية والمسيحية]، بحيث يختلف يسوع عن اليهودية والكنيسة الأولى، عندئذ سيصبح يسوع شخص غريب بالتأكيد، منفصلاً تماماً عن تراثه الثقافى ومنعزلاً  فكريا (ايديولوجيًا) عن الحركة التى كان مسئولاً عن تأسيسها. بل إن المرء يتعجب كيف أُخذت شخصيته على محمل الجد. هو سيصبح غريب الأطوار لو اُعتبر فقط ما هو مختلف هو الأصيل. هذا المعيار يساعدنا على معرفة تعاليم يسوع الاستثنائية لكنه لا يمكن أن يعطينا يسوع الأساسى the essential Jesus"[1] 
يرفض معظم العلماء والدارسين التطبيق السلبى للمعيار، ويرون أن يسوع التاريخى لا يُمكن أن يُفهم خارج الإطار اليهودى والمسيحى المبكر.[2]    

التطبيق السلبى وُضع ليحدد كلمات يسوع الأصلية، ويُحصر الحكم فى اختيارين: كلمات أصلية authentic وكلمات غير أصلية unauthentic، بينما التطبيق الإيجابى لهذا المعيار وسع دائرة الاختيارات إلى: قول أصلى authentic، محتمل أن يكون القول أصليًا  possibly authentic، قول غير أصلى non-authentic، والاحتمال الآخير  هو أضعف الاحتمالات لأننا لا نعرف بالضبط طبيعة اليهودية القديمة والمسيحية المبكرة.[3]   

وفى هذا المقال سأنظرّ لإتساع مجال التطبيق الإيجابى لهذا المعيار، بحيث يتجاوز البحث عن كلمات يسوع الأصلية للبحث عن الأحداث المرتبطة بيسوع. فهناك مبدأ تاريخى بأن عدم التشابه فى التفاصيل بين الشهود عن حدث ما، هو دليل على تعددية الشهادات، ومن ثمَّ على وجود حدث تاريخى، وهذا ما سوف أسميه "معيار عدم التشابه الوثائقى".

هذا المعيار يدعم الموثوقية التاريخية للأناجيل الأربعة، يقول الدكتور حسن عثمان:  "الاتفاق الصحيح بين مصدرين مستقلين لا يكون -فى الغالب- بتشابههما المطلق، ولكن بإتفاقهما وتشابههما فى مواضع وبتفاوتهما واختلافهما فى مواضع أخرى."[4] أى أنه من الطبيعى وجود اختلافات فى التفاصيل بين المصادر التاريخية فى روايتها عن حدث ما. ومن ثمَّ تصير الاختلافات فى التفاصيل بين الأناجيل الأربعة دليل على صحتها لا دليل على إدانتها.

وفى هذا المقال سنتعامل مع الأناجيل الأربعة بإعتبارها وثائق تاريخية روت لنا عن حدث معين، وعند تطبيق معيارنا على روايات الأناجيل الأربعة سنجد عدم تشابه فى التفاصيل مما يدلل على صحة حدوث هذا الحدث المعين.

فمثلاً عند مقارنة قصة القيامة بين الأناجيل الأربعة نجد اختلافات فى التفاصيل، لكنها لا تؤثر على جوهر الرواية أو تشكك فى حدوث القيامة. شكك إيرمان فى قيامة المسيح بناءً على الاختلافات بين الروايات الانجيلية فكان رد العالم وليام لين كريج عليه: "فى الحقيقة عندما ننظر إلى نقاط الاختلاف المفترضة نجد أكثرها مثل عدد وأسماء النساء اللواتى زرن القبر، إنما هو مجرد تناقضات ظاهرية غير حقيقية، علاوة على ذلك فإن الاختلافات المزعومة نجدها فى التفاصيل الثانوية للقصة وظروفها وليس لها أى تأثير يذكر على الحقائق الأربعة التى سبق وذكرتها.[الحقائق الأربعة هى: دفن يسوع، اكتشاف القبر فارغ صباح الأحد، إدعاء الكثيرين رؤية المسيح بعد قيامته، تحول التلاميذ المفاجئ والمخلص إلى الموت بأن المسيح قد قام من بين الأموات]. لذلك فإن معظم المؤرخين لم ينثنوا عن اهتمامهم بسبب اعتراضات من هذا القبيل. كما أن د. إيرمان استنتج بنفسه أن عليه مراجعة موقفه بشأن هذه القضايا. وبغض النظر عن عدم التوافق الحاصل فى تفاصيل القصة فهو يعترف بأن لدينا "تقاليد ثابتة"، وذلك ليس فقط بالنسبة لدفن يسوع بل أيضاً بالنسبة لاكتشاف النساء للقبر الفارغ، لذلك هو يقول: "بإمكاننا الاستنتاج مع بعض التأكيد بأن يسوع قد دفن بالحق من قِبَل يوسف الرامى فى قبر  وأنه بعد ثلاثة أيام وُجد قبره فارغًا"[5]"[6]

إذاً المؤرخ لا يمكن أن يرفض رواية الأناجيل الأربعة لاختلافها فى التفاصيل بل على العكس هذا يدعم الموثوقية التاريخية لها، كيف؟  لقد وضح دانيال والاس هذا الأمر فى حواره مع الصحفى لى ستروبل، وها هو نص الحوار:
"فقال [والاس]: "منذ بعض السنوات قابلت بنت مسلمة كانت مهتمة بالمسيحية. جاءت إليّ ومعها ستة ورقات مكتوبة بخط اليد مما يُفترض أنه تناقضات بين الأناجيل. علمها المسلمون بأنها إذا وجدت خطأ واحد فى الأناجيل، فإنها لا تستطيع أن تؤمن بأى شىء آخر. قالت ليّ: "عليك أن تجيب على كل نقطة من هذه الصفحات قبل أن اؤمن بأى شىء عن المسيحية". فأجبتها قائلاً: "ألا تعتقدين بأن هذه القائمة تُثبت بأن المؤلفين لم يتآمروا معاً ولم يتواطئوا معاً حينما كتبوا أناجيلهم؟" فقالت: "أنا لم أفكر أبداً بهذه الطريقة". فقلت: "كل ما تحتاجين إليه هو أن تنظرى الى الأماكن التى لا تختلف فيها الأناجيل نهائياً. فماذا ستجدى؟ ستجدى رسالة جوهرية ثورية: أعترف التلاميذ بأن يسوع هو المسيح، وأنه قام بصنع المعجزات وشفى الناس، و غفر الخطايا، و تنبأ بموته وقيامته، و مات على صليب رومانى، و قام من الموت بجسده. والآن، ماذا ستفعلى مع يسوع؟ حتى لو كُتاب الإنجيل لديهم إختلافات فى سردهم - سواء كانت هذه الإختلافات تستحق أن نُسميها تناقضات فهذا سنؤجله لوقت لاحق- فإن هذا يُضيف إلى موثوقيتهم ببيان أنهم لم يتشاوروا معاً فى أحد الأماكن ليطبخوا هذه الطبخة. أليس إتفاقهم معاً على إعتقاد مركزى جوهرى يعنى أنهم توصلوا الى الأساسيات بشكل صحيح، وبدقة، لأنهم كانوا يوثقون نفس الأحداث؟".

فسألت [ستروبل]:"ما الذى حدث لها؟".

   [أجاب والاس]: "أصبحت مسيحية بعد اسبوعين، و هى الآن طالبة فى معهد دالاس. إن نقطتى الرئيسية هى أن العصمة عن الخطأ التاريخى مهمة، لكن الإنجيل أكبر من مُجرد عصمة."

[يعلق ستروبل]: "بدا تحليل والاس منطقى لىّ. فى الحقيقة، لقد تذكرت الطريقة التى كنت أنظر بها إلى الكتاب المقدس، حينما تركت المسيحية لأول مرة. فأخبرتُ والاس قائلاً: "حينما كنت ملحداً، نحيت موضوع العصمة جانباً، و عاملت العهد الجديد كأنه مجموعة وثائق قديمة مُجردة، و هو كذلك فعلاً. و بهذه الطريق إستطعت أن أُقيمهم كما أستطيع أن أُقيم أى وثائق قديمة أخرى، وبالتأكيد، يجب توقع وجود بعض الإختلافات فى كل هذه التسجيلات."[7]

إن التطبيق الإيجابى للمعيار (بالطريقة الجديدة التى وضعناها) أو معيار  عدم التشابه الوثائقى (والمصطلح من صكنا)، يؤيد موثوقية العهد الجديد، بل إن مشكلة إيرمان الرئيسية فى كتاباته أنه يطبق المعيار بالمعكوس، بحيث يعتبر الاختلافات دليل إدانة وبطلان، وهذا يناقض منهج النقد التاريخى، فيبدو أن إيرمان ينبذ المنهج الأكاديمى ليرفض الإيمان.



[1] Darrell L. Bock, "The Words of Jesus In the Gospels: Live, Jive, or Memory?", In: Michael J. Wilkins &  J. P. Moreland (eds.), Jesus Under Fire, Zondervan Publishing House, 1995, p. 91
   [2] لقراءة معالجة تفصيلية للتطبيق السلبى للمعيار راجع: جى أد كومزوسكى وآخرون، أيعيدون اختراع شخصية يسوع!، تر/ سامى رشدى مورجان، مركز مورغان للنشر والإعلام، ص ص 38-42
[3] For the difference between positive & negative applications of criterion of dissimilarity see:  Gerd Theissen & Dagmar Winter, the Quest for Plausible Jesus, Tr. By M. Eugene Boring, Westminster John Knox Press, 2002, p. 22
[4]   د. حسن عثمان، منهج البحث التاريخى، دار المعارف – القاهرة، ط 8، ص 151
[5] Bart Ehrman, “From Jesus to Constantine: A History of Early Christianity,” Lecture 4: “Oral and Written Traditions about Jesus” (The Teaching Company, 2003).
[6] لمشاهدة المناظرة بين إيرمان وكريج وقراءة تفريغ مُترجم لها، راجع هذا الرابط:
[7]    حوار مع دان والاس، تر/ فادى اليكساندر، تجدونه على هذا الرابط:

الأربعاء، 23 أبريل 2014

مقتل هيباتيا والتاريخ - مقال بجريدة القاهرة



تعليقًا على مقال طلعت رضوان
د. صموئيل طلعت أيوب

طالعنا الأستاذ طلعت رضوان بمقال يتحدث فيه عن الفيلسوفة المصرية هيباتيا وفاجعة اغتيالها على أيدى بعض المسيحيين. واتفق معه أن الجهل والتعصب هما سبب اغتيال الفلسفة والعلم، لكننى اختلف معه فى بعض التفاصيل بناءًا على قراءاتى التاريخية.

فى أى بحث تاريخى عن حدثٍ ما، على الباحث أن يعود إلى المصادر الأولية والثانوية التى ذكرت هذا الحدث ويدرسها قبل أن تخط يداه حرفًا، لكن للأسف فإن الأستاذ طلعت رضوان لم يعتمد على المصادر الأولية انما على مراجع معاصرة، فذكر ول ديورانت ومارتن برنال والفيلسوف برتراند راسل وغيرهم. لكننى سأحاول فى هذا المقال أن أوضح ما الذى ذكرته المصادر القديمة عن هذه الفيلسوفة.

لم يصلنا سوى شذرات عن فاجعة مقتل الفيلسوفة هيباتيا، ولم تشر المصادر الأولية بأصبع الاتهام للبابا السكندرى كيرلس، فأولى تلك المصادر وأوثقها هو سقراط المؤرخ فى كتابه "تاريخ الكنيسة"، حيث يقول: "إنها [هيباتيا] سقطت ضحية للغيرة السياسية التي سادت في ذلك الوقت لأنها كانت تقابل أُورستس كثيراً وشاع بين عامة المسيحيين أنها هي التي تمنع أُورستس عن مصالحة البطريرك وبسبب هذه الغيرة أسرع بعضهم وعلى رأسهم قارئ يسمى بطرس وهي في طريقها لمنزلها وجروها من مركبتها وأخذوها لكنيسة تسمى قيصرون حيث جردوها تمامًا من ملابسها ثم قتلوها ومزقوا جثتها إلى قطع، ثم أخذوا أطرافها المهترئة إلى مكان يدعى سينارون وأحرقوها. وقد جلبت تلك القضية الخزى لا على كيرلس وحده بل على كنيسة الأسكندرية كلها. وبالتأكيد لا شئ أبعد عن روح المسيحية أكثر من المذابح والمقاتلات والأعمال من ذلك القبيل. وقد حدث ذلك فى شهر مارس فى السنة الرابعة لأسقفية كيرلس [أى عام 415م]." (ك7، ف15) وفى الفصلين السابقين لإيراده القصة، نجده تحدث عن خطين من الأحداث: الأول هو زيادة عنف الرعاع، والثانى هو زيادة الشقاق بين كيرلس وأُورستس. ويكتب سقراط فى مقدمته لذينك الفصلين: "إن عامة الشعب السكندرى يسعد بالشغب عن أى شعب آخر؛ ففى أى وقت تسنح له الفرصة يندفع بطريقة مفرطة ومبالغ فيها، ولا يتوقف إلا بإراقة الدماء." (ك7، ف13).

من ثم، فإن أقدم المصادر التاريخية التى تذكر فاجعة اغتيالها تؤكد أنها سقطت كضحية سياسية لا دينية، وأن الذين قتلوها هم عامة المسيحيين، حيث لا دخل للبابا كيرلس بالأمر، بل إن الأمر جلب عليه وعلى كنيسته العار. وسقراط مؤرخ عُرف عنه الحياد فى الطرح، بالإضافة لكونه معارضًا لكيرلس فليس هناك ما يبرر تكذيبه.

المؤرخ الثانى هو يوحنا النقيوسى، وعلينا أن نشير أن يوحنا رجل دين يتبنى الرؤى الدينية المحافظة (وهذا يتجلى فى نظرته للوثنية على أنها نتاج الشيطان وأيضًا فى حديثه عن العالم القديم) كتب النقيوسى: "وفى هذه الأيام ظهرت امرأة وثنية فيلسوفة بمدينة اسكندرية اسمها أنباديا تخصصت لعمل السحر وللأسطرلابات وأدوات اللهو فى كل وقت، وغررت بكثير من الناس بتموية الشيطان، وكان حاكم المدينة [أُورستس] يكبرّها كثيرًا لأنها خدعته بسحرها." (عمرو صابر عبدالجليل، تاريخ مصر ليوحنا النقيوسي: رؤية قبطية للفتح الاسلامي، عين للدراسات والبحوث الانسانية والاجتماعية، 2003م، ص 127-128) ثم بعد ذلك يشرح الخلافات بين البابا كيرلس والحاكم أُورستس، والنزاعات بين المسيحيين واليهود، ودور هيباتيا فى التأثير على الحاكم، ثم يقص قصة مقتلها: "ثم قامت جماعة المؤمنين بالرب مع الوالي بطرس، وكان بطرس هذا مؤمنًا تمامًا لكل ما ليسوع المسيح، وذهبوا للبحث عن هذه المرأة الوثنية التي كانت تضلل أهل المدينة والحاكم بأسحارها. وحين عرفوا المكان الذى كانت به ساروا إليها فوجدوها تجلس على كرسى، فأنزلوها من الكرسى وسحبوها حتى أوصلوها إلى الكنيسة العظيمة التي تسمى قيسارية، وكان هذا فى أيام الصوم، ونزعوا ملابسها، وسحبوها حتى أحضروها الي شوارع المدينة حتى ماتت، وألقوا بها فى مكان يدعى نيكينارون وأحرقوا جسدها بالنار." (المرجع السابق، ص 129-130) نلاحظ اعتماد النقيوسى بشكل أساسى على رواية سقراط المؤرخ، لكن الاختلاف بين الاثنين؛ أن سقراط اعتبر الجريمة عمل شنيع أبعد ما يكون عن الروح المسيحية بينما النقيوسى اعتبره عمل تقي!، ومع ذلك فالاثنان اتفقا على عدم مشاركة البابا كيرلس فى هذا العمل. 

صمت أُورستس الحاكم (الذى فى خلاف مع كيرلس) وسقراط المؤرخ (المعارض لكيرلس) عن اتهامه بالمشاركة فى هذه الجريمة الشنعاء. ولا يمكن أن نغفل أنه بعد ثلاثة عشر عامًا اندلع النزاع الكريستولوجى بين كيرلس ونسطور، حينها تقدم مجموعة من السكندريين الذين حرمهم البابا كيرلس بقائمة من الاتهامات الأخلاقية ضده شملت عدم الأمانة، عدم مساعدة الفقراء، السرقة، سوء معاملة والدته. فلو كانت هناك أى شائبة تربط البابا كيرلس بمقتل هيباتيا لاستخدمها هؤلاء ضده، أو حتى استخدمها نسطور. لكننا فى المقابل نجد صمت الجميع حيال الأمر، مما يدلل أنه ليس ثمة علاقة بين البابا كيرلس ومقتل الفيلسوفة هيباتيا.

وقد يتساءل القارئ: كيف نشأت فكرة مسئولية البابا كيرلس عن هذه الجريمة؟ أول من أنحى باللائمة على البابا كيرلس هو داماسكيوس Damascius فيلسوف الأفلاطونية المحدثة وآخر رئيس للأكاديمية قبل إغلاقها فى عهد جوستنيان عام 527م، فى كتابه "حياة إيسيدور". لكن لا يمكننا أن نستند على شهادة وحيدة لفيسلوف وثنى عاش 130 عامًا بعد الحدث، وقد كتب هذا فى عهد يوليانوس الامبراطور الذى أراد إحياء الديانة الوثنية، فكتب ذلك لأجل تشويه الكنيسة ويظهر ذلك جليًا فى أسلوبه العدائى للمسيحية والبابا كيرلس. 

وعن داماسكيوس نقلت الموسوعة البيزنطية Suda فى القرن العاشر الميلادى قصة مقتلها، وعنها أخذ تولاند وجيبون. وعلينا أن نلاحظ طريقة استخدام الاثنين للمأساة، فجيبون استخدمها فى نقده للمسيحية وتولاند فى نقده للكنيسة الكاثوليكية.  

لذلك لا يمكن حسبان هيباتيا كشهيدة لأسباب دينية، بل بالحرى يجب أن يُحسب موتها نتيجة مأساوية لعنف الرعاع نتيجةً للصراع السياسى بالأسكندرية.

لا يجب أن تقودنا العاطفة لتغيير التاريخ، ولا يجب أن تحولنا المأساة لجناة.  

وفى المقال المقبل، سنناقش حقيقة اسهامات هيباتيا فى الفلسفة والعلوم طبقًا للمصادر التاريخية القديمة. 

ملحوظة: الصور هى إضافة من الجورنال حيث لم أرسل أى صور للجريدة، لذلك نشروا صورة البابا كيرلس السادس بدلاً من البابا كيرلس الأول، فعذراً عن هذا الخطأ غير المقصود من الجريدة ...